الوصف
آخر روايات الإيطالي الراحل (أمبرتو ايكو) صاحب اسم الوردة، صدرت هذه الرواية سنة 2015 م، وحصلت على ترجمتها العربية قبل أيام – هدية من صديق- في ذات الوقت الذي كنت أتابع فيه لقاءً قديماً مع ايكو حول روايته (مقبرة براغ)، فلذا تحمست للبدء بها من دون إدراجها في خططي القرائية الطويلة والتي ستجعل قراءتها مؤجلة لشهور وربما لسنوات.
تحدث ايكو في المقابلة التي أشرت إليها بلهجته الإيطالية الثقيلة عن (مقبرة براغ) وتجربة كتابتها، ورغم معرفتي بأسلوب ايكو والذي يقترب من الهوس – تحدث عنه في (حاشية على اسم الوردة)-، إلا أن المقابلة كشفت جانباً آخر من الرجل، وهو جانب الروائي المستمتع بما يفعله والذي يفرض أحداث معينة على روايته فقط لأنه يريد الكتابة عنها، وقد لاحظت هذا في (العدد صفر)، فبطل الرواية يسير مع أحد زملائه في شوارع ميلانو، ويستغل ايكو هذا ليجعلهما يمران في شوارع معينة ليحدثنا عن تاريخها وذكرى الجرائم التي وقعت فيها، وقد أشار ايكو في المقابلة إلا أنه جعل بطل روايته (باودلينو) في القسطنطينية وفي ظروف زمنية معينة كحجة لزيارتها والكتابة عنها، وهذا أمر أقدره كثيراً في الروائيين، القدرة على الكتابة عن موضوع ما أو التطرق له لأنه يعجبنا ويهمنا، وكيف نجعل من هذا الموضوع أصيلاً وليس مقحماً، يخدم الفكرة العامة للكتاب ويعززها.
العدد صفر في هذه الرواية هو العدد التجريبي لصحيفة إيطالية جديدة يجتمع البطل مع مجموعة من الكتاب المتوسطين أو الفاشلين للعمل على تحريرها، وبدعم من ثري مريب يبدو أنه يستغل الصحيفة كوسيلة ابتزاز فعالة، من هذه القصة الصغيرة يدخل ايكو إلى عالم الصحافة كما يعود إلى عالم المؤامرات الذي كان الموضوعة الأساس لـ (مقبرة براغ)، أما المؤامرة هذه المرة والتي يعمل زميل البطل على كشفها هي مقتل موسوليني، هل قتل موسوليني حقاً؟ أم أن الذي قتل شبيه له؟ يبدو أنه لا يوجد زعيم سياسي مات حقاً في العقلية المؤامرتية وأن العالم لايزال يغص بكل هؤلاء الزعماء، ربما هناك ما يشبه المنتجع الذي يعتزل فيه هؤلاء الزعماء بعيداً في سنواتهم الأخيرة تاركين أشباههم يتدلون من المشانق أو يواجهون فرق الإعدام أو خناجر الخونة، ربما!!
هذه رواية شيخ متعب، ككل الروايات الأخيرة لكتابنا العظام والمحبوبين نقرأها بامتنان متلمسين بقايا تلك الموهبة المشتعلة التي أحببناها في كتبهم الأولى.






